السيد عباس علي الموسوي

213

شرح نهج البلاغة

عليها ، وأقام أعلام الاهتداء ومنار الضّياء ، وجعل أمراس الإسلام متينة ، وعرا الإيمان وثيقة . منها في صفة خلق أصناف من الحيوان ولو فكّروا في عظيم القدرة ، وجسيم النّعمة ، لرجعوا إلى الطّريق ، وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة ، والبصائر مدخولة ألا ينظرون إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ، وتعدّها في مستقرّها . تجمع في حرّها لبردها ، وفي وردها لصدرها ، مكفول برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ، ولو في الصّفا اليابس ، والحجر الجامس ولو فكّرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا فتعالى الّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلّتك الدّلالة إلّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ . وما الجليل واللّطيف ، والثّقيل والخفيف ، والقويّ والضّعيف ، في خلقه إلّا سواء .